الأبشيهي
491
المستطرف في كل فن مستظرف
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه قد دل قوله تعالى : " كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " . " العلق : 6 ، 7 " على ذم الغنى إن كان سبب الطغيان . وسئل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن الغنى والفقر فقال : وهل طغى من طغى من خلق الله عز وجل إلا بالغنى وتلا هذه الآية المتقدمة . والمحققون يرون الغنى والفقر من قبل النفس لا في المال . وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرون الفقر فضيلة . وحدث الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً " فقال جليس للحسن : أمن الأغنياء أنا أو من الفقراء فقال : هل تغديت اليوم قال : نعم قال : فهل عندك ما تتعشى به قال : نعم قال : فإذاً أنت من الأغنياء . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت طاوياً ليالي ما له ولا لأهله عشاء وكان عامة طعامه الشعير وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع وكان صلى الله عليه وسلم يأكل خبز الشعير غير منخول . هذا وقد عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأبى أن يقبلها صلوات الله وسلامه عليه وكان يقول : " اللهم توفني فقيراً ولا تتوفني غنياً واحشرني في زمرة المساكين " . وقال جابر رضي الله تعالى عنه : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ابنته فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل فبكى وقال : " تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة " . قال الله تعالى : " ولسوف يعطيك ربك فترضى " . " الضحى : 5 " وقال صلى الله عليه وسلم : " الفقر موهبة من مواهب الآخرة وهبها الله تعالى لمن اختاره ولا يختار إلا أولياء الله تعالى " . وفي الخبر إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل لملائكته : أدنوا إلي أحبائي فتقول الملائكة : ومن أحباؤك يا إله العالمين فيقول : فقراء المؤمنين أحبائي فيدنونهم منه فيقول : يا عبادي الصالحين إني ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علي ولكن لكرامتكم تمتعوا بالنظر إلي وتمتعوا ما شئتم . فيقولون : وعزتك وجلالك لقد أحسنت إلينا بما زويت عنا منها ولقد أحسنت بما صرفت عنا فيأمر بهم فيكرمون ويحبرون ويزفون إلى أعلى مراتب الجنان . وقال صلى الله عليه وسلم : " هل تنصرون إلا بفقرائكم وضعفائكم والذي نفسي بيده ليدخلن فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام والأغنياء يحاسبون على زكاتهم " . وقال عليه الصلاة والسلام : " رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله تعالى لأبره - أي لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة - ولم يعطه من الدنيا شيئا " . وقال عليه الصلاة